العطلة لمن استطاع إليها سبيلا

كاتب مشاغب

خديجتو عديساعتين ago
العطلة لمن استطاع إليها سبيلا
كاتب مشاغب

انتهت العطلة.. غادرتنا.. أو غادرناها.. المهم أننا افترقنا.. وعدنا إلى أيام الراحة الحقيقية.. قيل من قبل أن العطلة هي أيام مسروقة من روتين الحياة.. من اجل الراحة والاستجمام والهدوء والاسترخاء.. والعودة بطاقة متجددة.. وكل تلك الكلمات والمصطلحات الجميلة.. ولكن الواقع أنهم كذبوا علينا.. أو أن الزمن غير الزمن.. لم تعد العطلة عطلة.. لم تعد أيامها أيام راحة.. بالعكس.. أصبحت مرادفة لكل ما هو سيء.. ازدحام.. تدافع.. غلاء.. جشع.. فقط مجموعة من الطقوس القبيحة.. كابوس مزعج.. تتمنى فقط متى تستيقظ منه.. وتغادر.. وانت تلعن نفسك الف مرة في اليوم.. عن الساعة التي وسوس لك فيها الشيطان في أذنك.. وأقنعك أن تقوم وأنت في كامل قواك العقلية.. لتجمع حقاقبك.. تخضع في استسلام غريب لرغبة باقي العائلة..

كنا.. ونحن صغارا.. عند الالتحاق بالمدرسة.. على موعد سنوي مع درس الإنشاء الأول.. الحديث عن العطلة الصيفة.. حيث كنا نتيه في حكي طفولي بريء.. واغلبنا لم يغادر باب منزلهم طيلة العطلة إلا لماما.. وأكثرنا حظا.. من كانت أصوله من البوادي المحيطة بالمدينة.. حيث الجد والجدة.. حيث المغامرات وأيام البادية الجميلة.. كانا نحكي ونتحاكى بأيام العطلة الرائعة.. وأين قضيناها.. بدون دليل.. لا صور.. ولا هاتف.. ولا انترنيت.. لا تأريخ للرحلة لا ما بقي منها في ذاكرتنا الصغيرة.. كانت العطلة تمر بأقل التكاليف.. إن لم نقل في بعض العائلات ب”زيرو درهم”.. أي أننا كنا نعيش حقيقة أيام راحة حقيقية في العطلة..

حاليا.. عن ماذا سيتحدث تلاميذنا الأعزاء عند رجوعهم لفصولهم الدراسية؟؟ عن “سمسار” وقف يفاصل في ثمن كراء شقة لا تحمل من الشقة إلا الاسم.. وبثمن لا يتخيله عقل.. يقولون عنها مجهزة.. وهي لا تحمل من التجهيز الا الاسم.. لن تجد فيها حتى “كوكوط باش طيب لغذا”.. عن طريق أو شارع يفترض أن المرور فيه لا يستغرق بضع دقائق.. ولكن بقدرة قادر.. يتوقف الزمن فيه.. ولا تغادره السيارة إلا بعد ساعة أو ساعتين.. ولن نخجل إذا قلنا أكثر.. عن محلات ومتاجر تجد في الزائرين والوافدين صيدا ثمينا.. “دجاجة بكامونها”.. عن أب عاد من العطلة وهو يضرب أخماسا في أسداس.. فإذا كان درس النملة أنها تجمع في الصيف ما تقتات به في الشتاء.. فأرباب أسرنا الكرماء.. أضاعوا كل ما جمعوه.. في الشتاء والصيف.. الماضيين والقادمين.. ولن تسعفهم كل عملياتهم الحسابية.. والعجز سيستمر إلى ما بعد رمضان..

على البعض منا أن يستسلم للأمر الواقع.. ويبتعد عن التطبيق الحرفي لشعار “العطلة للجميع”.. ماذا سيقع إذا لازمنا منازلنا.. على الأقل لن تكثر ذنوبنا.. لان كل ما في العطلة يخرجك عن الشعور والدين.. كم أتمنى أن يبادروا لتأسيس حزب “مقاطعة العطلة”.. سأكون أول المبادرين.. فنحن نعيش في عصر الطبقية.. والرأسمالية المتوحشة.. هناك طبقية في التعليم.. وفي الصحة.. وفي السكن.. فما يضرنا أن نعترف بالطبقية في العطلة الصيفية أيضا.. فلن يكون الكل سواسية أمام الصيف.. سنة أو سنتين سيصبح الصيف لمن استطاع إليه سبيلا.. فهو يفضح ويكشف عن السور الكبير المضروب بين أهل الجنة وأهل النار.. في دنيا الناس هذه قبل الآخرة..

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.