في زقاق صغير قرب مسكني.. يحمل لافتة “ممنوع المرور” من جهة.. “كيدي وما كيجيب”.. أعبره بالسيارة بشكل يومي.. وبشكل يومي أيضا لا بد أن أتقابل فيه بسيارة.. دراجة.. بل في بعض الأحيان شاحنة.. سائقوها يكسرون – مع سبق الإصرار والترصد- لافتة المنع.. في تحد طائش لأدنى درجات احترام المحيط والفضاء العام.. وفي كل مرة أقول مع نفسي.. هذا الإنسان الذي كسر شارة المنع هذه.. هو نفسه الذي يحتج على المحسوبية في الإدارات العمومية.. وعلى استغلال التجار له برفع الأسعار.. وعلى غياب النظافة في الشوارع.. وعلى.. وعلى.. وعلى.. وهو ما يعطينا إنسانا/كائنا ليس كباقي كائنات الدول الأخرى.. مواطن هو حفيد لسلالات وأجداد عمروا هذه البقعة من الكرة الأرضية لقرون وقرون.. ولن نوغل كثيرا في التاريخ.. “ونشدو لحساب غير من بداية الدولة المركزية فالمغرب”.. أي بالمنطق.. يجب أن تكون شروط المواطنة الصادقة هي المكون الرئيسي لدينا.. ولكن الواقع يكذب ذلك.. فاغلبنا استقال من واجبه الاجتماعي.. ولبس ثوب “تهركاويت” بامتياز..
و”الهركاوي” هنا ليس تمييزا بين البدوي/لعروبي و المتحضر/المديني.. كما يذهب البعض.. في ربط عنصري قاصر.. بل المسالة أعمق من ذلك.. فالمتحضر ليس بالضرورة هو الإنسان المديني.. التحضر كمفهوم هو سلوك إنساني إيجابي راقي.. بالمقابل “الهركاوي” وتهركاويت تمثل غياب أدنى أبجديات التعامل باحترام مع الناس.. أي أنه “قليل الترابي” وليس قليل التمدن.. غني أو فقير.. متعلم أو أمي.. رجل أو امرأة.. الأمر سيان.. المهم انه شخص تجرد من القيم المجتمعية.. أناني لا تهمه إلا مصلحته الشخصية.. أنا وبعدي الطوفان.. وقمة تاهركاويت.. أو “هركاوي برو ماكس”.. هو ذلك الكائن القاطن في بلاد المهجر.. حيث يلتزم هناك بكل مظاهر التحضر والرقي التي فرضت عليه بسلطة القانون.. وبدل المساهمة في التغيير وتحسين الوضع.. نجده عندما يتجاوز “بلاكة 40” للمغرب.. يضع كل القوانين تحت قدميه.. وفي بعض الأحيان أسوء من السكان الدائمون.. “لفقيه لي نتسناو براكته..دخل للجامع ببلغته”..
إذن.. وكسؤال بريء.. لماذا المغرب.. كدولة ضاربة في جذور التاريخ.. لم يستطع خلق مواطن متمدن.. حضاري.. يحترم ممر الراجلين .. راجلا أو سائقا.. ورغم تفاهة السؤال والطلب.. ماذا لو اتفقنا جميعا.. في تحد جميل.. “نقطعو الشارع من ممر الراجلين”.. وفي نقس الوقت.. يتنازل السادة السائقون.. ويقفون عند الممر عشرة أو عشرين ثانية.. شهر أو شهرين سنربح هذا الرهان.. ومن تم.. ننتقل لتحد جديد.. “نلوحو الزبل فبلاصته”.. أعزكم الله.. شهر أو شهرين.. نربح الرهان.. وهكذا دواليك.. ننطلق من ألف باء التحضر.. خمس أو عشر سنوات.. وحتى عشرين.. خمسين.. سنصل للياء.. ما باليد حيلة.. كلنا نحمل في دواخلنا “هركاوي” مدفون.. صغيرا كان أو كبيرا.. فلا أحد منا في معزل عن تهركاوت.. وإذا فشلنا في تحدياتنا المقترحة.. لا مناص من “ضرب” الجيوب.. تطبيق القانون..وخلق آليات لهذا التطبيق.. فلا قيمة للقانون دون تطبيقه.. وبما أننا نعرف أن “المغربي قيس ليه كلشي الا جيبه”.. فأكيد أننا – بالتطبيق السليم للقانون- سنضمن مغربا أخر.. ولو بعد حين..





