ماما إفريقيا.. الكأس للشيطان
كتبوا.. واجتهدوا.. واستنتجوا أن الدين أفيون الشعوب.. ثم حوروا الجملة.. واستنبطوا منها المعنى.. وقالوا أن الكرة هي الأفيون الحقيقي للشعوب.. اخترعتها السلطة.. وأصحاب رؤوس الأموال.. والبورجوازية.. للسيطرة والهاء البروليتارية البئيسة.. أو بمصطلحات اليوم.. لتخدير المواطن وإبعاده عن الإحساس.. والشعور بواقعه المعيش/البئيس.. ليبقى في حالة تيه.. محلقا في واقع فوق الواقع.. الواقع الافتراضي.. الأكثر عيشا من الواقع الحقيقي.. حيث خلق جمهور كرة القدم عالما خاصا به.. يتناقشون.. يحللون.. يتصادمون.. يتصارعون..
هذا العالم الجديد/الافتراضي.. كشف عن وجهنا البشع.. عرا على نفوسنا المقيتة.. أفكارنا المستهجنة.. وحقدنا الدفين لبعضنا البعض.. نحن سكان هذه البقعة السيئة الحظ.. من كوكبنا الأرض.. سيئة الحظ بوجدونا فوقها.. ابتليت بنا أيما ابتلاء.. نحن.. من عرب.. أمازيغ.. أكراد.. مسلمين.. سنة.. شيعة.. أقباط.. دروز.. بتنوع جيناتنا.. أصولنا.. دياناتنا.. كلنا اتفقنا.. واتحدنا على أن نكون –وبكل فخر- مثالا لا يشرف.. مثالا للحقد والغل والعداوة.. فكانت الرياضة.. وكرة القدم خصوصا..المشتل الخصب لزرع وسقي وتربية هذه الصفات الغير مشرفة بين شعوبنا وأقطارنا..
وهكذا أصبح تنظيم تظاهرة أو تجمع رياضي ما.. ومشاركتنا فيه.. هو إعلان حرب معنوية.. وانطلاق لمهرجان السباب.. والشتم.. بين الجماهير المختلفة.. في استحضار لبطولات أجدادنا الأفذاذ.. المتفردون بشعر الهجاء والذم.. وأصبحت لهزيمة منتخب “العدو”.. طعم الحلاوة.. والابتهاج والسعادة عند البعض.. أكثر من انتصار منتخبه.. فرقتنا الكرة أكثر مما نحن متفرقون.. قال عنا الرسول الكريم.. إننا سنفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة.. وفي الكرة.. بحثنا عن تلك “الواحدة” الناجية.. فلم نجدها.. الكل منخرط في خلق سيناريو الوهم.. والإحساس بوطنية مزيفة.. لا تظهر إلا في مواجهة عدو خارجي مفترض.. بينما الوطنية الحقة.. تعتمد على البناء الداخلي.. الاجتهاد الجماعي.. وخلق حصانة اجتماعية أمام التخلف والجهل والتأخر.. والحمد لله كلها صفات نجتمع عليها.. نحن المطبلون والمهللون لهزيمة الآخر..
لا ندري بماذا نصف الحالة.. هل هي حماسة زائدة.. طيش جيل أحمق وأرعن.. فقد السيطرة على نفسه.. أو تهور مدروس ومحسوب ومتحكم فيه بزرات متتالية من أجهزة تحكم الجالسين على الكراسي.. لا نعلم.. ولكن الشيء المؤكد.. أننا نحن.. هم الخلل في البشرية الحديثة.. نحن العبء الكبير على الإنسانية…. بحماقاتنا وزلاتنا.. وباقي الخلق براء منا.. نعتذر لهم عن وجودنا بجانبهم.. في هذا الحيز من الزمن والمكان.. فنحن.. وبكل فخر.. هم الأفيون.. الأفيون الحقيقي للشعوب..





