أوصيكم خيرا برمضان

خديجتو عدي9 مارس 2026
أوصيكم خيرا برمضان

جاء رمضان.. وانتصف الشهر.. وكلمح البصر سيغادرنا.. وكما هو الحال في كل عام.. تتسارع أيامه في الرحيل.. ولا نشعر بها إلا ونحن نحتفل بليلة القدر.. ونستعد لشوال وصلاة العيد.. ف”سيدنا رمضان”.. شهر خفيف.. لا يحب أن يثقل كاهل أحد.. ولكنه شهر الذكريات بامتياز.. ذكريات الماضي.. ذكريات الطفولة.. ذكريات العائلة والعلاقات والتواصل وكل ما هو جميل فينا.. كل منا خلق في مكنوناته الدفينة رمضانه الخاص.. رمضانه المرتبط بسجل مفعم بالحسرة.. بالشجن.. والحنين.. فيحاول الجميع استرجاع ذلك الماضي الجميل.. وبأدق التفاصيل.. بصباحات الدراسة التي تطبعها في الغالب الرتابة والكسل الناتج عن إدمان السهر.. ومساءات الركض في الدروب والحارات.. والصياح: تيريرا تيريرا.. هذا عيد لحريرة.. مع تكرارها بضحك بريء.. كإعلان لسيدات البيوت أننا في انتظار ما ستجود به أياديهم على موائد الإفطار.. ثم.. وختاما.. الليالي الغارقة بالأنس والدفء.. في مجالس الأسرة والأقارب حتى مجيء السحور..

وبين الماضي والحاضر.. وكلما حل رمضان.. دائما ما تجري هذه المقارنات.. ومؤخرا.. وأنا أطالع بعض المواضيع الالكترونية.. إذا بي أصادف موضوعا كتب في دجنبر 1967.. أي منذ ما يقرب من 60 سنة.. أتفاجأ أن كاتبه يكتب بقلم حاضرنا.. زمننا.. نفس الكلمات التي نسمعها اليوم.. يتأسف عن الماضي.. ويسترجع طفولته وشبابه.. ويقارنها مع واقعهم في الستينيات من القرن الماضي.. يحكي عن بيت جده.. اجتماع عائلته.. طقوس الفطور التي تغيرت.. أقرانه الذين ذابوا في صروف الحياة.. الخ….

إذن هي سيرورة طبيعية للحياة.. كل جيل يحنو لماضيه.. يظن أنه العصر الذهبي.. ويقارن بين الأزمنة.. بنظرة ظالمة للحاضر طبعا.. كأن هذه الأيام لا تستحق العيش.. لأنه -حسبهم- قد غاب الخير دون رجعة.. وأن السعادة.. والفرح.. والبهجة.. والبركة.. والرزق.. و..و.. كلها ماركات مسجلة بزمن محدد.. ناسين.. أو متناسين.. أن الإمام الشافعي قال قبل زمننا وزمنهم وزمن من بعدنا.. أننا نعيب الزمان والعيب فينا.. وما لزماننا عيب سوانا.. والواقع أن شعور الحنين هذا الذي يهاجمنا كلما تذكرنا ماضينا.. هو فقط حسرة على ما فقدناه عندما كبرنا.. متناسين أننا نحن أيضا.. سنكون مستقبلا جزءا من ذكريات جيل الحاضر.. جيل أبناءنا وأحفادنا.. جيل ينتظر منا أن نبني معه ذكرياته.. نقربه منا.. لا نحرمه من ممارسة شغبه البريء.. جيل ولد مظلوما – حسب رأينا الديكتاتوري نحن الآباء – لأنه.. وفقط.. يريد أن لا يكون كما كنا نحن.. فلنعترف.. ونقر.. وبكل استسلام.. أن رمضان هو نفسه كل عام.. هو الجوهر..وما نتجاهل ونتغاضى عن عيشه والتمتع به اليوم.. سنندم عليه غذا.. سيكبر الصغير.. ويغيب الكبير.. وتزداد درجات الحسرة والحنين.. وحينها لن ينفع الندم.. فعيشوا أيامكم هذه رحمكم الله..

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.