بدأت مباريات كأس العالم.. وبدأت معها الفرجة.. المتعة.. المراهنات.. النقاشات التي لا تنتهي.. ونظريات المؤامرة حول النتائج ..و..و..و.. وأيضا بدأت لعبة الترشيحات.. الكل يحاول تخمين اسم المنتخب الذي سيحمل كاس العالم هذه السنة.. وكل الجماهير.. تقول أن منتخبها سيفوز.. منها الواقعي في قوله.. ومنها الحالم.. بل والمفرط في الأحلام مثلنا.. طبعا نتمنى الخير.. ولكن صعب توقعه.. بل مستحيل.. لا لشيء سوى أن الألقاب لا تسقط سهوا من السماء.. فكل الدول التي فازت أو ستفوز.. ليس في كرة القدم فقط.. بل في كل الألعاب.. تجد الرياضة لديهم أسلوب حياة.. شيء مفروض وواجب وليس مسالة ثانوية كما نراها نحن.. البطل عندهم هو مشروع يتم الإعداد له من الصغر.. بالإضافة طبعا لارتفاع مستوى الوعي.. ووجود ثقافة رياضية مجتمعية..
وعندما نتحدث عن المجتمع.. لا بد هنا من استحضار الجمهور.. وآه من الجمهور.. جمهور منتخبنا.. وجمهور بطولتنا.. حيث يجب أن نميز بين الجمهورين.. جمهور “كيووووت وزويين”.. بدل متابعة تسجيل الأهداف في الميدان.. يركز على تسجيل السطوريات.. وتقاسم اللحظات مع “لي فانز ديالهم”.. ثم الجمهور الآخر.. جمهور الألتراس.. جمهور الفرق بالأساس.. الجمهور الحقيقي للكرة.. الذي اختفى من لقاءات المنتخب.. الجمهور الذي كبرنا معه.. ونعرف وزنه الحقيق في المقابلة.. يصفر للضغط على الخصم.. ويشجع حيث يجب التشجيع.. هذا الجمهور حاليا أصبح يفضل “بلازما المنزل أو الكافي”.. خصوصا مع عراقيل التذاكر.. وسيطرة التطبيقات المعقدة.. فظهر جمهور جديد منتقى بعناية.. متكون خصيصا من عالم “المؤثرين”.. لا علاقة لهم “بالماتش”.. سوى عقود الإشهار والدعاية والمحتوى التجاري.. كرة القدم ليست فقط 90 دقيقة بلا معنى.. وليست لاعبين وتقنيين فقط.. بل هي أيضا.. وأساسا.. بجمهورها المحب لها بشغف كبير.. بدون شروط أو قيود.. كما تحاول الفيفا وكل الدول المنظمة أن تضعها بحجة “الأمن والأمان”..
وعند كل كاس عالم.. شخصا اغبط ذلك النوع من الناس.. الذي لا اهتمام له بالأمر.. “لي بغا يربح يربح”.. لا يحبون كرة القدم.. بل ولا يحبون من يحبها.. ولا يتوقفون عن انتقاد الكرة واعتبارها مضيعة للوقت.. بل يحتقروننا.. نحن المتيمون بحبها.. يعتبروننا بلهاء.. وهم العقلاء.. يتحدثون بصراحة عن احتقارهم لنا ولفرجتنا على الكرة.. وتتبعنا لأخبار هذا المنتخب.. ذلك اللاعب.. أو تلك البطولة.. لا يستوعبون كل هذا الحب والشعبية الذي تتمتع بها كرة القدم.. وعصبة الأبطال.. وكأس العالم.. بعضهم يعتقد أنهم الأذكى.. والعالم كله غبي.. يكرهون اللعب والتسلية.. الفرح ونشوة الانتصار.. وكسرة الهزيمة.. والخطير أننا لا نعرف أين يذهبون حين يكون الجميع يتفرج.. ماذا يفعلون.. وما الشيء الذي يخططون له.. حين نكون نحن شعب الكرة منشغلين بالتشجيع.. متوترين.. وعلى أعصابنا.. على الأرجح أنهم يشتغلون على ادخار الوقت الثمين.. تكديسه وربحه.. مستغلين فرصة غيابنا.. لهذا تجدهم في اليوم الموالي أكثر تفوقا ونجاحا منا نحن المجانين..
على العكس منهم.. هم الحريصون.. النفعيون.. الأذكياء.. العمليون.. المفتخرون بكفرهم بالكرة.. فنحن لا يهمنا الوقت.. ولا الجهد.. ولا المال.. نبدده من اجل فرق نحبها.. من اجل لعبة نعشقها.. قد يقضي البعض منا عمره كله في التشجيع.. لا يكل ولا يمل.. ويفصل بين اللعب.. والذي هو ضروري وبه يحيى الإنسان.. وبين العمل والمال والنجاح والعقل.. نتمتع.. ننتشي.. نسعد.. نغضب ونفرح في وقت واحد.. نتابع 22 لاعبا خلف بالون منفوخ بالهواء.. منشغلين بأجمل هوس جماعي اخترعه الإنسان.. تاركين لهم العقل في تلك اللحظة.. فالعقل وحده لا يكفي.. يحتاج لمن يلعب به ومعه.. ويخفف عنه العبء.. ويجعله يفكر ويطرح السؤال.. “هل سنفوز يوما بكأس العالم؟؟”.. ربما..





