كاتب مشاغب
كم كان جميل عيد السنة الماضية.. غاب ضجيج الخرفان فوق السطوح.. ورائحة “الكرشة” ومخلفاتها بين سلاليم العمارات.. ووسط الأزقة.. وشوارع الحارات.. ارتحنا من أثار “التبن والفاخر”.. لا مجامر ولا شوايات.. لم نسمع بقصص انتحار الآباء.. وتشتت الأسر.. لا لشيء سوى لأنهم لم يستطيعوا شراء أضحية العيد.. ولا طلاق بسبب شراء أضحية “بلا قرون كبيرة”.. مر العيد بدون أن نشاهد فقراء يبكون.. أو يتباكون.. في مواقع التواصل.. يستجدون ويطلبون.. ويترجون المحسنين شراء “حولي باش يعيدو ويفرحو الدراري”.. ما المنطق الذي يجعل فرح أطفال مرتبط بمشاهدة مشهد ذبح وسلخ وتعليق.. في ضرب لكل مسلمات علم النفس في هذا الشأن.. المهم.. مر العيد جميلا.. سعيدا.. رائعا.. وهذا بفضل الدولة.. وقرار الدولة.. ومبادرة الدولة.. التي ألغت العيد.. والمواطن عاجز عن أخذ المبادرة.. وتحديد سبل سعادته.. هل هي في غياب أو حضور “الحولي”.. حتى بتنا لا نعرف “شكون الحولي”.. واش من خلقه الله “حولي”.. أو الإنسان الذي ينتظر ما تقرره الجماعة مكانه.. لينساق معها في استسلام مريض.. وتطبيق أناني لمقولة “يا كاملين نعيدو.. يا كاملين ما نعيدوش”..
وجاء عيد هذه السنة.. أزف أجله.. وقرب تاريخه.. واستبشرنا خيرا من وفرة القطيع.. وقلنا لن يحتج حد.. وستغيب مشاهد العويل والصياح والاحتجاج.. كل الظروف مهيأة لتمر الشعيرة على أكمل وجه.. يفرح الكبير والصغير.. الكساب والشناق.. مول التبن والفاخر.. ولكن هيهات.. ثم هيهات.. فنحن في كوكب المغرب.. لن تمل من المفاجآت.. حيث عادت العجلة للدوران من حيث توقفت قبل السنة الماضية.. فإذا كانت الأعياد في العالم كله هي مناسبة للفرح.. السعادة.. وخلق الأجواء الجميلة عائليا واجتماعيا.. فعندنا الأمر معكوس تماما.. جولة قصيرة في “الرحبة ديال الغنم”.. تظهر لك مقدار سعادتنا.. عفوا أردت أن أقول.. مقدار تعاستنا.. غبننا.. غضبنا.. الكل “تالف ما عارف فين يرد الراس”.. تعلمنا أن الزواج نصف الدين.. والحال أن وضعنا الحالي يظهر أن “العيد الكبير” هو الدين كله.. سنكون نصف مسلمين إذا لم نذبح الخروف.. ولم نهرق الدماء في سطوحنا.. ناسين أو متناسين أن العيد مثله مثل التراويح.. والحال انه ممكن أن تجد أحدنا “ناشر رجليه في الكافي” وقت التراويح.. ويوم العيد.. نفسه ذلك الشخص.. يتكلف ويتسلف لاقتناء الأضحية بثمن مضاعف عن ثمنها الحقيقي.. بعذر “بغينا نفرحو الدراري”.. وهذا لا يعني أننا “ديانيين”.. لا نترك فرض ولا سنة.. ولكن الأمر لا يعدو انه علاقة وجدانية/روحية تاريخية بين “الحولي” والإنسان المغربي عبر التاريخ..
فإصرار البعض منا على شعيرة الذبح.. رغم الفاقة والحاجة.. ليس له معنى.. خصوصا انها ظاهرة متعلقة اكثر بالطبقة الشعبية الفقيرة.. نعم الثمن مرتفع.. والكل لا طاقة له في مسايرة هذا الارتفاع.. وصرف الأجور قبل العيد هو اعتراف بذلك.. رغم أنه لا شيء يلزمك بذلك.. وككل سنة يطرح السؤال “واش الدرويش ما يعيدش”.. نعم.. ودون لف ودوران.. “آه.. ما يعيدش”.. الدرويش يلزمه أولا أن يعالج الأسباب والدوافع “لي مخلياه درويش”.. نعرف أناسا.. كافحوا.. اجتهدوا.. اشتغلوا واجتهدوا.. وحققوا انتقالا اجتماعيا أخرجهم من طبقة “الدراوش” إلى طبقة البورجوازية.. في تحد للظروف التي يتعذر ويتحجج بها باقي “الدراوش”.. والدرويش ليس فقط العاجز عن اقتناء “الحولي”.. فنحن متأكدون أن “درويشنا العزيز” له خصاص كبير في أشياء كثيرة.. لعل آخرها هو “الحولي..
الكثير من فقراءنا يرفضون فكرة أنهم فقراء.. رغم أنهم فقراء حقا.. موظفين كانوا.. أجراء أو مياومين.. الكل سواسية في فقرنا الفريد من نوعه.. ولن يصبحوا أغنياء بمجرد اقتناء “حولي كبير”.. فعلامات “الزلط” لن تفارقهم.. والخروف لن يغطي على “الصالير” الذي يودع جيوبهم قبل المنتصف من كل شهر.. والحال أنه قبل طرح سؤال الدرويش واش ما يعيدش.. يجب على الدرويش “يدير لفلوس وما يبقاش درويش أولا.. عاد يفكر فالحولي”..





