من صهوة المرابطين الى ميادين اليونيسكو: التبوريدة في المغرب تراث يركض ضد النسيان

Aaddi Jouba27 سبتمبر 2026
من صهوة المرابطين الى ميادين اليونيسكو: التبوريدة في المغرب تراث يركض ضد النسيان
محجوبة عدي

حين تنطلق السّربة في ( المحرك) ساحة التبوريدة، تهتز الأرض و تختفي كل الأصوات.. إلا صوت قلوب الفرسان التي تسبق حوافر أحصنتهم.. لحظة صمت.. ثم يركضون كجسد واحد.. وفي السماء طلقة واحدة كأنها انطلقت من بندقية واحدة تعلن أن المغرب لا يزال هنا.

هنا.. في هاته اللحظة التي لا تتجاوز ثلاث ثوان.. يختصر المغرب تاريخا بأكمله، فالخيل كان دائما هو الدولة، والجيش، والهيبة.. من صهوة الحصان البربري صنع المرابطون إمبراطورية، وعلى ظهره حافظ العلويون على عرش دام أربعة قرون، واليوم.. بينما تختفي كثير من التقاليد في المتاحف، يأبى هذا التراث إلا أن يبقى حيا.. يركض كل يوم في سهول دكالة وعبدة والشرق والجنوب، محروسا بالعناية الملكية ومنظمة اليونسكو.

من خطة حرب الى فن للفرجة:

عرف المغرب الخيل منذ العصور القديمة، حيث إهتم الأمازيغ بتربيتها واستغلالها في اغراض عدة كالتنقل والصيد والحرب، واعتمدوا في ذلك على الحصان البربري، المعروف بقوته في جبال الأطلس وصبره في الصحراء، ومع قدوم العرب الفاتحين انتشرت الخيول العربية في المنطقة وتزايد عددها لينتج المزج الأشهر في العالم: “الحصان العربي-البربري”، والذي يعتبر اليوم عماد التبوريدة.

كان الجيش المغربي عبر تاريخه – من المرابطين والموحدين إلى العلويين – يعتمد بشكل أساسي على الخيل فكانت القبائل تقاس بعدد خيولها، واعتنوا بامتلاك أجودها وتعليم ابنائهم ركوبها وإنشاء اجيالهم عليها، كما اهتموا بالصناعات المرتبطة بركوب الخيل والفروسية كصناعة السروج والخناجر و البنادق إيمانا منهم بالمثل الشعبي “الخيل عز الرجال”.

واليوم، يمكن القول أن استمرارية فن التبوريدة لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت ثمرة الرعاية الخاصة التي أولاها لها الملوك العلويون في كل مرحلة تاريخية. فالسلطان المولى إسماعيل هو من حول الفروسية من هواية قبائل إلى نظام عسكري منظم عبر جيشي البخاري والگيش، و تحولت تقنيات السربة والمقدم والطلقة الموحدة من مجرد مهارات قبلية إلى عقيدة حربية للدولة، وبقيت مصطلحات متوارثة منذ عهده الى الآن، وفي عهد المولى الحسن الأول، ظلت الفروسية هي العمود الفقري لـ “الحركات السلطانية” وشكلت وزارة الدفاع آنذاك، ورمزا للمكانة الاجتماعية والنخوة. وبعد الاستقلال، عمل الملكان محمد الخامس والحسن الثاني على تحويلها من سلاح حرب إلى رمز للسيادة والهوية، عبر الحفاظ على الحرس الملكي للخيالة وتأسيس الشركة الملكية لتشجيع الفرس SOREC لدعم المربين والفرسان، ليأتي عهد الملك محمد السادس نصره الله والذي عمل على نقلها من المحلي إلى العالمي، من خلال الرعاية السامية لمعرض الفرس بالجديدة منذ سنة 2008، والدفع نحو تسجيلها في دجنبر 2021، في قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي، وهو ما ضمن لها الحماية القانونية والإعتراف الدولي كذاكرة ثقافية حية للمملكة.

تراث بالأرقام

يتوفر المغرب على 160 ألف رأس من الخيول، وعلى 5 محطات وطنية لتربية الخيول تديرها الشركة الملكية لتشجيع الفرس (SOREC) أهمها في مراكش وبوزنيقة ومكناس والجديدة، ويتمثل دورها في تحسين السلالات والحفاظ على الأصيل منها.

وحسب مقال ل la vie eco فإن “في المخيلة المغربية، التبوريدة مرتبطة بلا إنفصال بالموسم”.. وهو ما يؤكد “تمسك المغاربة بإرثهم الثقافي” و يفسر حجمه حيث تُظهر الأرقام الرسمية للشركة الملكية لتشجيع الفرس والجامعة الملكية المغربية للفروسية أن المغرب اليوم يضم أكثر من 1000 سربة للتبوريدة منتشرة عبر القبائل، منها أكثر من 300 سربة منظمة رسميا تضم 5900 حصان من سلالتي البربري والعربي-بربري، تتنافس سنويا عبر 24 إقصائيا جهويا. وتنشط هذه السربات فيما يقارب 700 إلى 800 موسم سنويا في مختلف جهات المملكة، من موسم طانطان جنوباً إلى موسم مولاي عبد الله أمغار شمالا و الذي يستقطب وحده 5 إلى 6 ملايين زائر، ناهيك عن المواسم الصغرى في البوادي، حيث تظل التبوريدة هي الفقرة المركزية التي لا يكتمل بدونها أي موسم .

معرض الفرس للجديدة.. واجهة المغرب للعالم

إذا كانت المواسم القروية هي من حافظت على التبوريدة في القلوب، فإن معرض الفرس للجديدة، المنظم سنوياً تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، هو من أخرجها إلى العالمية.

منذ تأسيسه سنة 2008، لم يعد هذا المعرض مجرد سوق لبيع الخيول، بل تحول إلى أكبر منصة ثقافية للفروسية في إفريقيا والعالم العربي.. وفي كل خريف، تتحول مدينة الجديدة إلى عاصمة عالمية للفروسية تستقطب عشاق الخيل وملاكها ومدربيها من مختلف دول العالم، وتجتمع أكثر من 300 سربة قادمة من الأطلس والصحراء والسهول، ليتنافسوا على جائزة الحسن الثاني للتبوريدة، مما جعلها نافذة حضارية للتعريف بهذا التراث.

ويتجاوز المعرض البعد الفرجوي، ليتحول الى فضاء علمي يجمع الأطباء البيطريين والمربين والسراجة والباحثين، وفضاء اقتصادي يفتح سوقاً للسلالات المغربية الأصيلة، وخاصة العربي-البربري، المطلوبة عالمياً.

إن معرض الجديدة  هي المدرسة التي يتعلم فيها الطفل المراكشي أو الدكالي أو الصحراوي أن حصان جده ليس ماضياً، بل هو مستقبل يمكن أن يمثل المغرب في المحافل الدولية، وأن التبوريدة ليست فقط صوت بارود يعلو في المواسم المحلية، بل هي علامة “صنع في المغرب” ترى وتسمع في اليونيسكو وفي كل قارات العالم.

سربة جهة كلميم وادنون.. فخر الإنتماء

يروي إبراهيم النصيحي (المعروف بـ “عفريت الزمن” أو “النداه”)، مقدم سربة جهة كلميم وادنون للفروسية، وأحد أقدم الممتهنين لفن التبوريدة بالإقليم، بداياته مع صهوة الفرس فيقول: “أمتطي الخيل منذ سنة 1987، وتوليت قيادة السربة مقدماً لها منذ 2006. نشأتُ منذ نعومة أظفاري في كنف الفروسية وعلى حب الخيل، كيف لا ووالدي وأجدادي فرسان، فكانت الخيل رفيقة الطفولة، والفروسية هوايتي التي لا تُضاهى”.

ويشير  النصيحي إلى أن سربته، التي تضم اليوم اثنين وعشرين فارساً، يمتطي خمسة عشر منهم صهوات الخيل في الميدان والباقي احتياط، كانت تُعرف في أول أمرها باسم “سربة صاگة أهل تالوين” نسبة إلى مسقط رأسه، قبل أن تصير سربة جهة كلميم وادنون قاطبة، لكونها السربة التي لا تُهزم في ربوع الجنوب، والممثلة الدائمة للجهة في المحافل الوطنية الكبرى، كمعرض الفرس بالجديدة وجائزة المغفور له الحسن الثاني للفروسية بدار السلام.

وعن الفارق بين سربات الشمال وسربات الجنوب، يوضح السيد النصيحي: “بحكم قساوة المناخ الصحراوي، نحن نمتطي الفَرَس، لأنها أكثر صبراً وجلداً وتحملاً، عكس سربات الشمال التي تمتطي الحصان. كما أن الفرس أسهل ترويضاً وأيسر عناية، وأقل كلفة. أما اللباس، فهم يرتدون الجلباب والعمامة، بينما نرتدي نحن زينا الصحراوي الأصيل: الدراعة واللثام وسروال سنبل. وحتى في إطلاق البارود نختلف؛ فهم يطلقونه نحو السماء، ونحن نطلقه صوب الأرض. وسر الطلقة الموحدة إنما يكمن في حنكة المقدم وكثافة التداريب ومداومة السربة عليها حتى تبلغ لحظة التناغم التام بين الفارس وفرسه”.

ويضيف: “نحن نتخير للتزاوج فحلاً أصيلاً وفرساً كريمة، لأننا نحب الخيل حباً جماً، ننفق عليها و نعتني بطعامها وتطبيبها كأنها فرد من العائلة”.

ويصف المقدم المحنك التبوريدة بأنها تعيش اليوم عصرها الذهبي، بفضل الاهتمام الذي تحضى به من الدولة وعشق المغاربة لها، ويقول متفائلاً: “أرى لها مستقبلاً زاهراً ولا خوف عليها، فالشباب مقبل عليها، وهي محافظة على تراثها، وعلى رأس حماتها الفارس الأول صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، والجامعة الملكية المغربية للفروسية برئاسة الشريف مولاي عبد الله العلوي”.

أما عن الجوائز، فهي فصل آخر من فصول المجد، حيث يعتز السيد إبراهيم بما حصدته سربته من ألقاب، وفي مقدمتها المركز الأول جهوياً كل عام، ووطنياً الجائزة الذهبية بمعرض الفرس سنة 2008، والجائزة الذهبية لجائزة المغفور له الحسن الثاني للفروسية بدار السلام، مؤكداً أن سربته حاضرة دوماً، ولله الحمد، في المربع الذهبي كل سنة.

ويردف السيد ابراهيم:” لا تقتصر التبوريدة على جنس دون الجنس الآخر، فكما يوجد الفرسان من الرجال توجد الفارسات من النساء، اللاتي يمارسن التبوريدة بكامل أسسها وشروطها، بذات القوة والسرعة والدقة والانضباط”.

التبوريدة.. أكثر من حصان:

في سوق السمارين بمراكش، يقول المعلم عبد الرحيم الذي لا زال يطرز السروج يدوياً منذ 38 سنة : “كل سرج نستغرق ثلاثة أشهر لصنعه.. الناس يعنبرونه مجرد جلد، ولكنه تاريخ!”.

وهكذا، فإن التبوريدة اليوم ليست مجرد عرض للفرجة في موسم، ولا مجرد رقم في سجلات اليونيسكو. إنها فعل مقاومة يومي، مقاومة فلاح بسيط يبيع جزءا من محصوله ليشتري شعيرا لفرسه، ومقاومة مقدم في السبعين من عمره يعلم حفيده كيف يمسك البندقية قبل أن يعلمه كيف يكتب اسمه، ومقاومة صانع تقليدي ينقش على الجلد زخارف ورثها عن أبيه، كأنه يكتب وصية لا يقرؤها إلا الفرسان، ومقاومة حداد يوقد كورَه منذ الفجر، يطرق الحديد حتى يلين، ليصنع حدوة تحمي حافر الفرس من قسوة المحرك، ويصنع بنادق البارود التي إن صمتت، صمت معها صوت الأجداد. لولا مطرقة الحداد، ما كان للفارس أن يقف، ولولا إبرة الصانع، ما كان للخيل أن تتزين.

هنا تكمن قوة التجربة المغربية. المغرب لم يحافظ على الحصان كحيوان فقط، بل حافظ على المنظومة كاملة: الفارس، والسراج، والحداد، والخياط، والمكحلة.. إنها حكاية عشق عمرها قرون، مرتبطة بتاريخ الدولة، بالجهاد، بالفلاحة، وبالفرح.. إنها ذاكرة أمة.. وفي كل موسم، عندما يرتفع ذلك الدخان الأبيض للبارود فوق المحرك، يدرك الجميع أن هذا التراث لم يركض عبثا. لقد ركض لينجو، وقد نجا.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.