فيلم الست، وإكراهات السيرة

وادنون تيفي20 ديسمبر 2025
فيلم الست، وإكراهات السيرة
بقلم: محمد النعمة بيروك
بقلم: محمد النعمة بيروك

من منطلق مشاهدة، وليس من منطلق الضجة التي أحدثها البعض حتى قبل أن يشاهد الفيلم، أرى فيلم “الست” فيلما كبيرا وممتعا وفي مستوى الأفلام الراقية التي تعيش طويلا.

لا يعني هذا الكلام أن الفيلم كامل، فله ما له وله ما عليه، وسآتي على ذكر هذا وذاك من وجهة نظري، غير أن البحث عن نقائص وأخطاء هنا وهناك لا ينقص من قيمة هذا العمل الكبير الذي تستحقه أم كلثوم.

يبدأ الفيلم بالحادثة الشهيرة في مسرح أولمبيا سنة 1967 بباريس، حين حاول أحد المعجبين تقبيل رِجل الست مما أسقطها على الخشبة، ثم عبر الفلاش باك نعيش بداية أم كلثوم الطفولية مع صوتها العذب في قراءة القرآن الكريم وإنشاد الأمداح النبوية، مرورا بترعرعها في أكناف البادية مع أبيها الشيخ البلتاجي، ثم الانعطاف “التراجيدي” حين تنتقل إلى المدينة، وحادثة التهديد بالسلاح التي تعرضت لها في بدايتها، ثم البداية بالغناء للشاعر أحمد رامي الذي أحبها مع توالي التعاون بينهما حيث تحولت العلاقة إلى استلطاف عاطفي، لكن أم كلثوم رفضت الزواج منه حتى لا تفقد شغفه بها، خصوصا على مستوى كتابة الشعر

وعلى الرغم من إتقان منى زكي للدور، إلا أن ما يؤاخذ على الفيلم ربما هو شكلها المظهري، حيث كان ينبغي أن يخضع الوجه لتعريض قليلا بالماكياج السينمائي، وزيادة قليلة في الوزن عموما.

أيضا تغييب محطات تبدو لمشاهد بسيط مثلي مهمة، مثل تجربة أم كلثوم السينمائية، وأيضا غياب شخصيات تفاعلت مع الست بشكل أو بآخر في محطات مختلفة من حياتها، مثل عبد الوهاب الذي يُذكر اسمه في لمحة واحدة فقط في سياق الحديث عن انتخابات رئاسة النقابة الموسيقية، وكذلك غياب أسمهان، وعبد الحليم حافظ، وذكر عابر لليلى مراد.

ولعل غياب هذه الأسماء راجع إلى الخوف من الحساسيات التي سيثيرها أولاد وأحفاد هذه الشخصيات، وهو الإكراه الذي يعانيه الفن في العالم الثالث، خصوصا في السيرة.

أيضا غياب تفاصيل الوفاة، ومرور عابر على المرض.

ولعل أكثر ما أثار البعض ممن شاهد الفيلم، هو عكس صورة أم كلثوم من الداخل كامرأة عادية تنكسر، وتضعف، وتغضب، وتبكي، وتفشل، وتدخن.

ومهما يكن من انتقادات، فإن الفيلم أعاد سيرة واحدة من أعظم رواد الطرب في التاريخ، وهو فيلم ممتع، بإنتاج ضخم، وإخراج فريد تصويرا وإضاءة ومونتاجا ومؤثرات.

وتبقى الأعمال السيرية في العالم العربي، والعالم الثالث عموما محفوفة بالنقد الشعبي، وحتى الرسمي، والأكاديمي أحيانا، فالكثير من المزايدين يحاولون نزع الطبيعة الإنسانية والسجية والتلقائية من أصحاب السير، حيث يزعم أولاد وأحفاد صاحب السيرة أنه ملاك لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكذلك يظن الكثير من محبيه.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.