في الأسابيع الأخيرة، بدا المشهد السياسي المغربي وكأنه يتحرك داخل مساحة تتغير ملامحها بسرعة. انتصارات دبلوماسية بارزة، احتقان إعلامي سببه مشروع قانون مثير للجدل، وتحذير غير مسبوق من وزير الداخلية بشأن احتمال تدخل خارجي في الانتخابات المقبلة. ثلاث قضايا مختلفة في ظاهرها، لكنها في قراءة الدكتور الشرقاوي ضمن برنامج “بالعقل والقانون” تشكّل خيطاً واحداً يربط دينامية المغرب الداخلية بتحولاته الخارجية.
على الصعيد الدبلوماسي، يعتبر الشرقاوي أن المغرب قطع أسبوعاً ناجحاً كشف عن تحولات مهمة في موازين القوة داخل المنطقة، فالدعم الخليجي المتجدد لمغربية الصحراء لم يعد مجرّد إعلان بروتوكولي، بل أصبح جزءاً من اصطفافات إقليمية جديدة تتشكل بعد قرار مجلس الأمن الأخير، ما يعزز مكانة الرباط كفاعل توازن داخل الفضاء العربي والخليجي، وفي المقابل، فشل الجزائر في استثمار مؤتمر “جرائم الاستعمار” داخل أراضيها لإدانة المغرب يؤشر، وفق القراءة نفسها، إلى تراجع نفوذها في فضاء الاتحاد الإفريقي الذي ظل لسنوات إحدى ساحاتها الأساسية، أما القمة المغربية–الإسبانية فقد كرست واقعاً جديداً في العلاقات الثنائية، قوامه شراكة هيكلية تتجاوز التقلبات الحزبية في مدريد، وترتكز على مصالح استراتيجية واضحة تمتد من الاقتصاد والأمن إلى التحضير المشترك لكأس العالم 2030.
على مستوى الداخل، يبرز ملف المجلس الوطني للصحافة كأحد أكثر المواضيع حساسية، القانون الذي سار بسرعة في مجلس النواب ثم تعثر داخل مجلس المستشارين تحول إلى محور جدل واسع داخل الجسم الصحافي، الشروخ التي أحدثها هذا المشروع لم تعد تقنية بقدر ما أصبحت سياسية، خصوصاً مع غياب أي مؤشر على نية الحكومة سحب النص، وتبقى المخاوف قائمة من أن يتحول الخلاف حول هذا القانون إلى ورقة استقطاب خلال مرحلة ما قبل انتخابات 2026، خاصة إذا بقي الغموض يلف مستقبل تنظيم القطاع الإعلامي.
أما التحذير الذي أطلقه وزير الداخلية حول احتمال وجود “تدخل أجنبي” يستهدف نزاهة الانتخابات المقبلة، فقد اعتبره الشرقاوي النقطة الأخطر في المشهد الحالي، لأول مرة تتحدث الدولة بصوت واضح عن تهديد سيبراني محتمل قد يستعمل شبكات التأثير الرقمية أو حملات خارجية منظمة، في زمن تتكاثر فيه محاولات التأثير على الانتخابات عبر العالم، يصبح السؤال مشروعاً حول مدى جاهزية المغرب لمواجهة هذا النوع من التهديدات، وحول هوية الأطراف التي قد تستهدف العملية الانتخابية المقبلة، سواء كانت دولاً أو شبكات رقمية عابرة للحدود.
عند جمع هذه الخيوط، تبدو الصورة أكبر من تفاصيلها. المغرب يعيش لحظة إعادة ترتيب لتوازناته الداخلية في الوقت نفسه الذي يعزز فيه موقعه الخارجي، فكل انتصار دبلوماسي يفرض ضرورة تقوية الجبهة الداخلية، وكل خطوة تشريعية أو إعلامية تحتاج إلى انسجام سياسي يضمن استقرار المرحلة المقبلة، وهنا يطرح الشرقاوي سؤالاً حاسماً: هل تستطيع الدولة إدارة هذا التشابك دون أن تتحول هذه الملفات المتداخلة إلى كرة نار تتدحرج نحو انتخابات 2026؟




