قصبة دحمان ولد بيروك خارج حسابات الترميم؟ أسئلة محرجة حول مصير معلمة تاريخية تختزن ذاكرة وادنون والصحراء والمغرب

محمد الداودي

خديجتو عدي13 أكتوبر 2026
قصبة دحمان ولد بيروك خارج حسابات الترميم؟ أسئلة محرجة حول مصير معلمة تاريخية تختزن ذاكرة وادنون والصحراء والمغرب

في الوقت الذي تتجه فيه الجهود نحو تهيئة المدينة القديمة بكلميم، يطفو إلى السطح سؤال مقلق حول مصير قصبة دحمان ولد بيروك، إحدى المعالم التاريخية التي تختزن صفحات مهمة من الذاكرة الوادنونية والمغربية والإفريقية، وسط تساؤلات عن أسباب عدم إدراجها ضمن مشروع الترميم الذي رُصدت له ميزانية مهمة.

وفي اتصال هاتفي أجرته جريدة وادنون تيفي مع الأستاذ مولاي هاشم أزكان، من أسرة دحمان ولد بيروك، عبّر المتحدث عن استغرابه من احتمال إغفال هذه المعلمة التاريخية ضمن برامج الترميم والصيانة، مؤكداً أنه من غير المقبول أن تظل قصبة بهذه القيمة التاريخية خارج دائرة الاهتمام، في وقت تُرصد فيه إمكانات مالية مهمة لإعادة الاعتبار للتراث العمراني بالمدينة.

وأوضح أزكان أن أهمية هذه المعلمة لا ترتبط بأسرة بيروك وحدها، بل تتجاوز ذلك لتلامس الذاكرة الجماعية لأبناء وادنون والصحراء المغربية والمغرب عموماً، مشيراً إلى أن القصبة تحتفظ بمكانة تاريخية، من بينها ارتباطها بفترة إقامة السلطان الحسن الأول بها، وهو ما يجعل صيانتها مسؤولية ثقافية وتاريخية تتجاوز الاعتبارات العائلية الضيقة.

ولم يُخف المتحدث استعداد الأسرة للتعاون مع مختلف الجهات والمؤسسات المعنية، مؤكداً أن يد العائلة ممدودة لكل مبادرة جادة تروم ترميم هذه المعلمة وصيانتها، حتى تستعيد مكانتها وتظل شاهدة على تاريخ المنطقة وعمق روابطها التاريخية والحضارية.

وفي معطى آخر يثير المزيد من التساؤلات، كشف مولاي هاشم أزكان أن وزارة الثقافة سبق أن أوفدت لجنة إلى منزل العائلة في تاريخ سابق، غير أن الأسرة، بحسب تصريحه، لم تتوصل إلى حدود الآن بأي مستجد واضح بشأن نتائج الزيارة أو ما انتهت إليه اللجنة من خلاصات وتوصيات.

وهنا يبرز السؤال الذي ينتظر جواباً رسمياً: ما الذي خلصت إليه اللجنة؟ وهل أُعدّ تقرير بشأن الوضعية المعمارية والتاريخية للقصبة؟ وإذا كانت المعاينة قد تمت بالفعل، فلماذا لم تظهر إلى حدود اليوم خطوات ملموسة توضح مصير هذه المعلمة وإمكانية إدراجها ضمن برامج الحماية والترميم؟

وقال المتحدث، في موقف يعكس دعمه لتأهيل المدينة القديمة، إن الأسرة ليست ضد هذا الورش، بل تتساءل عن سبب إهمال قصبة دحمان، في الوقت الذي يجري فيه الحديث عن إعادة الاعتبار للفضاء التاريخي للمدينة. وهو تساؤل يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول معايير تحديد الأولويات في مشاريع صيانة التراث، ومدى حضور المعالم التاريخية ذات القيمة الرمزية في السياسات العمومية الموجهة لحماية الذاكرة المحلية.

وتزداد أهمية هذا الملف، وفق ما أكده المتحدث، بالنظر إلى احتفاظ العائلة بوثائق وظهائر تاريخية تقول إنها تثبت مغربية الصحراء، وهي وثائق تضفي على المكان، بحسب الأسرة، قيمة تتجاوز البناء المادي إلى ما يرتبط بالتاريخ والذاكرة والهوية الوطنية. وهو ما يجعل حفظ هذا الرصيد، ودراسته وصيانته، مسألة تستحق اهتمام المؤسسات المختصة والباحثين في تاريخ المنطقة.

إن القضية اليوم لا تتعلق بمجرد جدران قديمة أو بناية تحتاج إلى الإصلاح، بل تتعلق بكيفية تعامل المؤسسات مع الذاكرة التاريخية لوادنون، وبمدى قدرتها على تحويل الشعارات المرتبطة بتثمين التراث إلى إجراءات عملية تحمي المعالم من التدهور والاندثار.

فإذا كانت تهيئة المدينة القديمة خطوة مهمة نحو استعادة إشعاع كلميم التاريخي، فإن نجاح هذا الورش يظل رهيناً برؤية شمولية لا تستثني المعالم التي تحمل قيمة تاريخية ورمزية، ولا تجعل من بعض المواقع أولويات على حساب مواقع أخرى دون توضيح المعايير المعتمدة.

وأمام هذه المعطيات، تبرز الحاجة إلى توضيح رسمي من وزارة الثقافة والجهات المشرفة على مشاريع الترميم، بشأن وضعية قصبة دحمان ولد بيروك، ومآل زيارة اللجنة التي تحدث عنها ممثل الأسرة، وإمكانية إخضاع المعلمة لدراسة تقنية وتاريخية تمهد لصيانتها وحمايتها.

فهل تجد قصبة دحمان طريقها إلى برنامج الإنقاذ والترميم، أم ستظل شاهدة على تاريخ المنطقة بينما تتآكل معالمها بصمت؟

إن صيانة التراث ليست امتيازاً لعائلة، ولا استجابة لمطلب خاص، بل مسؤولية جماعية تجاه ذاكرة الأجيال. وما تحتاجه قصبة دحمان اليوم ليس مزيداً من الأسئلة وحدها، وإنما أجوبة واضحة وخطوات عملية تضمن ألا تتحول إحدى صفحات تاريخ وادنون إلى مجرد حكاية تُروى بعد فوات الأوان.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.