كلميم.. قصبة القائد دحمان ولد بيروك في مواجهة الاندثار: صرخة لإنقاذ ذاكرة وادنون قبل فوات الأوان.

محمد الداودي

خديجتو عدي12 أكتوبر 2026
كلميم.. قصبة القائد دحمان ولد بيروك في مواجهة الاندثار: صرخة لإنقاذ ذاكرة وادنون قبل فوات الأوان.

تقرير الصحفي: محمد الداودي

لم تعد قضية المعالم التاريخية بمدينة كلميم مجرد نقاش ثقافي عابر، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المؤسسات المعنية على حماية الذاكرة الجماعية وصون التراث الوطني من التهميش والاندثار. فبين المبادرات الرامية إلى ترميم بعض المعالم التاريخية، والمخاوف المتزايدة بشأن مصير أخرى، يبرز اسم قصبة القائد دحمان ولد بيروك باعتبارها واحدة من الشواهد التاريخية التي يطالب حفدة القائد وفعاليات من المجتمع المدني بإنقاذها قبل فوات الأوان.
وفي بيان للرأي العام صادر بتاريخ 11 أكتوبر 2026، دق حفدة القائد دحمان ولد بيروك وفعاليات من المجتمع المدني المحلي ناقوس الخطر بشأن الوضعية التي آلت إليها قصبة القائد، معبرين عن أسفهم لغيابها عن برامج الترميم الاستعجالية المتداولة، في مقابل الحديث عن آفاق إعادة الاعتبار لقصبة أكويدير، المعروفة أيضاً ببرج القائد الحبيب ولد بيروك.
وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: هل يعقل أن تتحول حماية التراث إلى تدخلات متفرقة لا تستحضر القيمة التاريخية المتكاملة لمعالم المنطقة؟ وهل يمكن الحديث عن تثمين الذاكرة العمرانية لكلميم، في الوقت الذي تظل فيه معالم أخرى مهددة بعوادي الزمن والإهمال؟
إن القضية، كما يطرحها الموقعون على البيان، لا تتعلق بالمفاضلة بين قصبة وأخرى، ولا بالمطالبة بمنح امتياز لمعلمة على حساب غيرها، وإنما بضرورة اعتماد رؤية شاملة وعادلة لحماية التراث التاريخي لوادنون، رؤية تجعل القيمة التاريخية والمعمارية أساساً لتحديد الأولويات، بعيداً عن الانتقائية أو تأجيل الملفات التي لا تحتمل مزيداً من الانتظار.
فقصبة القائد دحمان ولد بيروك، وفق ما أورده البيان، ليست مجرد بناء قديم أو ملكية ترتبط بذاكرة أسرة بعينها، بل معلمة تستحضر محطات من تاريخ المنطقة وعلاقتها بالدولة المغربية، ويستحضر أصحاب المبادرة في هذا السياق زيارة السلطان مولاي الحسن الأول إلى المنطقة سنة 1886، باعتبارها محطة تاريخية تعكس عمق الروابط التي جمعت وادنون بالعرش العلوي المجيد.
ومن هذا المنطلق، فإن ترك مثل هذه المعالم تواجه مصيرها في صمت، إن استمر غياب التدخل، لن يكون مجرد خسارة لجدران وأحجار، بل احتمالاً لفقدان جزء من الذاكرة المادية التي تساعد الأجيال القادمة على فهم تاريخ منطقتها واستيعاب التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها.
والأكثر إثارة للقلق أن الحديث عن التراث كثيراً ما يحضر في المناسبات والملتقيات والشعارات المرتبطة بالسياحة الثقافية والتنمية المحلية، بينما يبقى التحدي الحقيقي مرتبطاً بمدى ترجمة هذه الشعارات إلى برامج واضحة، واعتمادات مالية، ودراسات علمية، وتدخلات ميدانية قابلة للتنفيذ والتتبع. فالتراث لا تحميه البيانات وحدها، ولا تصونه الخطب، وإنما تحميه قرارات مسؤولة وإرادة مؤسساتية تسبق الانهيار ولا تنتظر أن تصبح المعالم أطلالاً حتى تتحرك.
وفي هذا الإطار، يوجه الموقعون على البيان مطلبهم إلى السلطات الولائية والمجالس المنتخبة، وفي مقدمتها مجلس جهة كلميم وادنون والمجلس الجماعي لكلميم، إلى جانب وزارة الشباب والثقافة والتواصل، من أجل التدخل العاجل لإنقاذ قصبة القائد دحمان ولد بيروك وإدراجها ضمن برامج تأهيل المدينة العتيقة وتثمين موروثها التاريخي.
وهي مطالبة تضع هذه المؤسسات أمام مسؤولية فتح الملف بجدية، وتوضيح وضعية المعلمة، وما إذا كانت هناك دراسات أو برامج سابقة تخصها، وما هي الخطوات العملية الممكن اتخاذها لحمايتها وترميمها وفق المعايير العلمية والتقنية المعمول بها في صيانة المباني التاريخية.
كما أن المبادرة، بحسب البيان، لا تكتفي بتوجيه الانتقادات، بل تعلن استعداد حفدة القائد دحمان ولد بيروك وفعاليات المجتمع المدني للتنسيق مع الباحثين والمؤرخين والجامعات، من أجل إعداد ملف علمي وتوثيقي يستند إلى الوثائق الأرشيفية والصور والخرائط والدراسات الأثرية. وهي خطوة من شأنها أن تضع النقاش في إطاره العلمي، وتساعد على تحويل المطالب إلى مشروع متكامل لحفظ المعلمة وتثمينها.
إن كلميم، بوصفها حاضرة وادنون وبوابة الصحراء، لا يمكنها أن تراهن على مستقبلها الثقافي والسياحي دون أن تنظر بجدية إلى رصيدها التاريخي. فالتنمية ليست طرقاً وبنايات ومشاريع اقتصادية فحسب، بل هي أيضاً حماية لما راكمته الأجيال السابقة من شواهد ومعالم ورموز تشكل جزءاً من هوية المجال وذاكرته.
ومن هنا، فإن إنقاذ قصبة القائد دحمان ولد بيروك يجب ألا يظل مطلباً محصوراً في حفدة القائد أو فعاليات المجتمع المدني، بل ينبغي أن يتحول إلى قضية ثقافية ومجتمعية تهم كل من يؤمن بأن التراث الوطني ملك للذاكرة الجماعية، وأن الحفاظ عليه مسؤولية مشتركة بين الدولة والمؤسسات والباحثين والمجتمع.
فهل تستجيب الجهات المعنية لهذا النداء، وتفتح ملف قصبة القائد دحمان ولد بيروك ضمن مقاربة شاملة لحماية قصبات آل بيروك ومعالم وادنون التاريخية؟ أم سيظل مصير هذه الذاكرة معلقاً بين الوعود وانتظار المبادرات، إلى أن يصبح إنقاذ ما تبقى منها أكثر صعوبة وكلفة؟
إن الرهان اليوم ليس على إصدار بيان آخر، بل على الانتقال من التحذير إلى الفعل، ومن الاعتراف بقيمة التراث إلى حمايته على أرض الواقع. لأن ما يضيع من الذاكرة التاريخية لا يمكن تعويضه بسهولة، ولأن الأجيال القادمة لن تسألنا فقط عما ورثناه من أمجاد، بل ستسألنا أيضاً عما فعلناه لحمايتها من النسيان والاندثار.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.