وغاب سائق قطار الحياة

كاتب مشاغب

خديجتو عدي5 فبراير 2026
وغاب سائق قطار الحياة
كاتب مشاغب

مات عبد الهادي.. مات بالخياط.. وسقطت ورقة خضراء أخرى من شجرة الفن المغربي.. شجرة تعاني من التساقط المتتالي والمتسارع لأوراقها.. دون تعويض.. شجرة ظهرت عليها علامات العقم.. علامات الفناء المحتوم.. فمن غيبته يد المنون لا يعوض.. يمضي.. يغادر.. لا يترك وراءه سوى الفراغ والحسرة.. حسرة على الفشل والعجز عن تأمين الخلف.. لكل هؤلاء الغائبون.. السابقون منهم واللاحقون.. هذا الفشل الذي ما هو إلا نتيجة منطقية وموضوعية لواقعنا المغربي الصادم.. حيث يجب أن نعترف.. وبطواعية.. أننا فشلنا .. ونفشل .. وسنفشل في كل ما له علاقة بالإبداع .. كل أصناف الإبداع.. لهذا صعب أن نجد البديل بسهولة..

فبدون كذب أو محاولة تجميل الصورة.. ليس لدينا أرضية خصبة تساعد على الخلق والإبداع.. فلا سينما أو أفلام “تحمر الوجه”.. ولا انتاجات مسرحية أو تلفزية كبيرة ذات صيت خارجي.. فهناك من لم يسمع باسم “المغرب” إلا لما تفاجأ بدولة قادمة من إفريقيا تقتحم مربع العظماء في كأس العالم.. بعد أن رمتنا سهام النسيان منذ الذهب الأولمبي لعويطة والمتوكل.. منذ الاستقلال لحد أيام العباد هذه.. عدد المبدعين عندنا محدودين جدا.. لم نستطع أن نبدع ولو عمل واحد نتجاوز به حدود الكركارات.. لسنا مثل مصر العربية.. ولا إيران المسلمة.. ولا نيجيريا الإفريقية.. نحن شعب عملنا على تطوير المهارات في عدة مجالات.. ولكن.. ملكة الإبداع “ما عندناش.. هادشي لي عطا الله”..

ولا ننسى أن هذا في الواقع ما هو إلا تحصيل حاصل.. فالمغربي ليس له إحساس بالجمال.. لأن تربيته.. محيطه.. دعاته الدينيون.. جعلوا حاجزا نفسيا وأخلاقيا/دينيا بينه وبين كل ما هو جميل وفيه إبداع في الحياة.. من رسم وموسيقى ونحت ورقص وتمثيل.. أي نشاط أو خلق أو إبداع فيه احتفاء بالجمال البصري والحسي هو حرام.. تاريخ المغرب كله ليس فيه منحوتة واحدة.. أو لوحة تشكيلية ذات صيت عالمي.. من إبداع مغربي.. ربما نجد أسماء رسامين.. فنانين.. حاولوا غزو الحدود.. ولكن ظل ذلك في “حدود”.. وهذا نتيجة تأثير بيئة محافظة متزمتة.. ليست وليدة الحاضر فقط.. بل هي متوارثة عبر عصور وقرون.. ففي الوقت الذي تجاوزت فيه الكنيسة ظلمات القرون الوسطى وشجعت الإبداع والفن و رسوم الجدران .. مؤسسة لتراث فني خالد.. كانت منابر مساجد أجدادنا العظام.. تشجع على “الزرود”.. وتحريم ركوب الدراجة.. ومقاومة وتكفير كل محاولات المد الأوروبي المتحضر لدفعنا ركوب قطار المدنية والرقي.. مستغيلين إيماننا الراسخ بأن كل اجتهاد هو بدعة.. وكل بدعة ضلالة.. وكل ضلالة في النار..

الإبداع له ارتباط وعلاقة وطيدة بالواقع المعاش .. هذا مما لا شك فيه.. لهذا لا يجب أن نستغرب من محدودية إبداعنا.. ومبدعينا.. فالمعادلة واضحة.. لا متاحف..لا مسارح.. لا دور سينما.. الحديث عن الأوبرا هو من وحي الخيال.. الطفل يعيش تجارب مدرسية بدائية تغيب فيها كل مقومات خلق مواطن عاشق للفن.. متلهف للثقافة.. وينمو في أسر ساذجة “متخلفة”.. شغلها الشاغل البحث وتأمين لقمة العيش والغطاء.. لا مكتبة في المنزل.. ولا في المدرسة حتى.. فكيف سينمي هذا الطفل ملكة الإبداع عنده.. المحيط هدام.. وسائل الإعلام عاجزة وحدودة.. مجتمع هيمنت عليه أفكار “شنو غادي نستافدو من الشطيح والرديح”.. “الفلوس لي غادي نخسروهم فالتمثيل والغنا.. اللهم نصرفوهم على العلم والعلماء”.. متناسين أننا خسرنا بلح الشام وعنب اليمن.. “لا علم ولا فن”.. ونرد عليهم .. دون انتظار اقتناعهم.. أننا قد نستطيع تعويض عالما رحل.. ولكن من الصعب تعويض مبدع فنان مثقف.. فلو لم يخترع أديسون الكهرباء.. لكان جاء بعده من اخترعها.. ولو لم يكتشف نيوتن الجاذبية.. لجاء أيضا بعده من اكتشفها.. فلا بأس أن تحموا الدين.. تزرعوا الأخلاق.. وتحاربوا البدع.. ولكن أيضا شجعوا صغاركم على الثقافة والفن رحمكم الله.. فما تقدمت الأمم بالفيزياء والرياضيات والعلم فقط.. فلو لم يكن عبد الهادي.. لما كانت “قطار الحياة”..

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.