من يحمي الأمن الإعلامي للمغاربة؟

وادنون تيفي21 مارس 2025
من يحمي الأمن الإعلامي للمغاربة؟
إحسان الحافظي
إحسان الحافظي

يواجه المغرب في السنوات الأخيرة محاولات بئيسة لاختطاف مهنة الصحافة، عبر تحويل المواقع والمنصات إلى أدوات للتشهير والابتزاز وبت الادعاءات الكاذبة في حق الناس والمؤسسات والدولة.

هذه الوضعية المتفاقمة تطرح السؤال حول المخاطر المحدقة بالأمن الإعلامي ببلادنا بسبب انتشار عاهات إعلامية وصوتية جعلت من المنصات الرقمية وسيلة للربح ومساحة للتعبئة ضد المصالح الوطنية والتموقع ضد كل ما هو إجماع وطني من مؤسسات وسياسات ومواقف واختيارات، أصوات لأناس جعلوا من أنفسهم عشيرة لا تؤمن بالقانون ولا القضاء ولا الدولة، تحركهم إما باثولوجيا أو أجندات وشبكات توريد وتدوير الأخبار على الصفحات والمواقع الأجنبية.

لقد لعبت البيئة الرقمية دورا مركزيا في تنشيط الصحافة الإلكترونية وصناعة المحتوى، فشجعت على ما يسمى بـ”تجارة الأفكار الحرة”، ما منح الأفراد سلطة التعبير عن آرائهم ومواقفهم حيث تدفق الأنترنيت يعزز ثقافة الحقوق الرقمية. إلا أن ولوج هذه البيئة الرقمية من طرف بعض الكائنات الانتهازية وأشباه الصحافيين، جعل منها تجارة في الأعراض والتشهير حيث تشير الأرقام الرسمية إلى نحو 6000 ملفا معروضا على محاكم المملكة سنويا.

إن حالة الفوضى التي تضرب قطاع الصحافة غير مسبوقة، فلم يحدث أن تحول العمل الصحافي النبيل إلى وسيلة لنشر الادعاءات الكاذبة والاختباء وراء قانون الصحافة لابتزاز الناس والتشهير بهم والمس بحياتهم الخاصة، ولم يحدث أن تفشت آفة انتحال الصفة بالشكل الذي عليه اليوم في قطاع الصحافة، ولم يحدث أن تحول الحق في التعبير إلى وسيلة لابتزاز الأشخاص والدول والمؤسسات كما يحصل الآن، ولم يحدث أن تحولت بعض الجرائد أو المواقع الإليكترونية إلى سلطة لإصدار بطاقة الصحافة في تجاوز لسلطات المجلس الوطني للصحافة، ولم يحدث أن انتشرت المواقع الإخبارية بهذا الحجم والشكل خارج سلطة القانون، ولم يحدث أن وجد القضاء نفسه عاجزا على الحد من هذه الممارسات المعيبة في ظل تزايد كبير للملفات المعروضة على العدالة في مواجهة أبطال التشهير والابتزاز ونشر الادعاءات الكاذبة من أصحاب المنصات الرقمية والمواقع. لم يسبق أن كانت الصحافة هي بناء خطاب حقود حسود تحركه الأهواء والحسابات الشخصية أو الشبكية التي تتحكم في خيوطها أطراف أخرى..

إن ما يحدث اليوم هو نتيجة طبيعية لحالة الإنكفاء التي سلكتها كل المؤسسات المعنية والتي أخذت موقع المتفرج على ما يجرى من فوضى وتسيب، وتحولت فكرة “التنظيم الذاتي للقطاع” التي أملتها التحولات السياسية والدستورية الكبرى التي عاشتها بلادنا، إلى نقمة على الجسم الصحفي كشفتها ممارسات وسلوكيات شجعت على انتشار مواقع إلكترونية تشتغل بشكل غير قانوني وتنامي أصحاب ميكروفونات وكاميرات دون أن تكون لهم الصفة، وهي كلها ظواهر تخالف القوانين والتشريعات وخاصة القانون 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين.

أمام هذه الموجة الجارفة التي تستمر في البناء على ما تراكم من ممارسات معيبة تتغذى من التشهير والأخبار الكاذبة والافتراء على الناس والمؤسسات مستغلة اتساع هامش الحريات والحقوق وكذا تجاهل الضحايا لهذه الممارسات المشينة، يبدو مهما إطلاق نقاش عمومي حول أخلاقيات المهنة ومخاطر السلوكات الماسة بالإعلام النزيه، وتبدو البلاغات التي صدرت عن المرصد المغربي لمكافحة التشهير والابتزاز والجمعية الوطنية للإعلام والناشرين والفيدرالية المغربية للإعلام خطوة في اتجاه تطهير وتنظيف المشهد الإعلامي.

اليوم، تبدو الحاجة إلى الأمن الإعلامي للمغاربة ضرورة ملحة وآنية، تزايدت في ظل الانتشار الواسع لوسائل الاتصال وظهور اشكال جديدة للتواصل، قد تُستخدم في تهديد الأمن والسلم الاجتماعي وإضعاف منسوب المواطنة وروح الانتماء. الأمن الإعلامي يعني حماية المغاربة من كل ما شأنه أن يتلاعب بهم أو يسيء إلى سمعة مؤسساتهم أو محاولات شيطنتها، يعني أيضا أن يكون الإعلام منصة للتعبير والاختلاف في الموقف والسياق وليس منصة لتصفية الحسابات أو استيراد القيم والأفكار الخارجية أو إعادة ترويج المغالطات التي يسوق لها الحمقى في الخارج ومريديهم في الداخل. إن هذه الحماية جوهر الأمن الإعلامي، فهي مخاطر تتجاوز بكثير تهافت ممتهني الابتزاز والتشهير والخطابات العدوانية التي تستهدف الحياة الخاصة للأشخاص، وتحقيق الأمن الإعلامي يتطلب أن تتحمل المؤسسات القضائية والهيئات التمثيلية للجسم الصحفي والسلطة الوصية كامل مسؤولياتها في تطهير القطاع.

لقد سبق ونبّهنا إلى أن آلة التشهير تعمل وفق طريقتين:
أولا، التشبيك: من خلال تنسيق توقيت الخرجات ونشر الادعاءات في مواقف أو لحظات وطنية ورمزية محددة، في إطار تحقيق نوع من التحدي السياسي.

ثانيا، بناء جهاز مفاهيمي: بما يسمح بتمويه المتلقي وممارسة نوع من السلطة اللغوية لتوجيهه. فقد تستخدم هذه الكائنات مفاهيم من قبيل “البنية السرية” وغيرها… وهي كلها عبارات هدفها التمويه على حقيقة الأخبار الزائفة والتشهير، كما قد يشمل هذا التمويه قلب المفاهيم واستدعاء الرموز وطنية.

إن الأساس وراء نشأة الإعلام الرقمي هو تعزيز قيم الحرية والحقوق الرقمية بوصفها جيلا جديدا من أجيال حقوق الإنسان، وهو ما جعل وظيفة الدولة ضمان الولوج الآمن والسهل وتقنين استخدامات هذه الشبكات بما يضمن حماية الحياة الخاصة للأفراد، عبر إصدار قوانين وإقرار حماية جنائية للحقوق الشخصية من خطر الاعتداء عليها في العالم الرقمي، واعتماد إجراءات وقائية تهم حماية المعطيات الشخصية، بحيث لا ينبغي أن يكون نظام المعلوميات وسيلة لإفشاء أسرار الحياة الخاصة للمواطنين.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.