
هناك فرق كبير بين الدول الديمقراطية وجمهوريات الموز، فالديقراطية ناضجة وتقف على أرضية صلبة، أما جمهوريات الموز فهي سهلة التزحلق وأي ريح يمكن أن تزعزعها وبل قد تذهب بها في أية لحظة .
ما حدث أمس بببرلمان كوريا الجنوبية درس كبير للدول الديكتاتورية الأستبدادية التي يعتبر الحاكم فيها بمثابة الآمر الناهي، الذي يفعل ما يريد ولا يسأل عما يفعل .
لقد حاول جنود كوريا الجنوبية دخول قبة البرلمان عنوة بأمر من السيد الرئيس وذلك لفرض الأحكام العرفية، حيث أعطيت للأوامر لجنرال من الجيش لتنفيذها فورا وهو ما فعل بالفعل .
أجل، فلأول مرة منذ أربعين عاما تحلق مروحيات الجيش المدججة بالسلاح فوق حرم البرلمان لتنفيذ أوامر رئيس البلاد يون سوك يول، كما تسلق جنود آخرون أسوار المبنى بعد منتصف الليل وحطموا نوافذه لإقتحامه بشكل لا يمث لا للقانون وللدستور بصلة .
وقد ووجه حوالي 280 جنديا حاولوا إقتحم مبنى البرلمان لتنفيذ الاحكام العرفية بمقاومة عنيفة لموظفي البرلمان حيث إستعانوا في مواجهة وصد هؤلاء الغرباء عن البرلمان بكل ما طالته أياديهم لتأمين مداخل البرلمان وتحصينها .
ومن بين المشاهد البطولية التي لن ينساها شعب كوريا الجنوبية ما فعلته آن غوري نيونغ الناطقة بإسم الحزب الديمقراطي المعارض، حيث واجهت جنديا مسلحا وهي عزلاء وحاولت الإستيلاء على سلاحه في مشهد بطولي لامرأة بألف رجل .
وفي نفس السياق أثبتت إمراة أخرى أن للنساء نصيبهن من البطولة بدورهن، حيث صاحت مذيعة الأخبار السابقة في وجه ذلك الجندي :”ألا تخجل من نفسك”. بعدما وجه سلاحه في وجه مواطنتها السياسية المعارضة .
لحظات بعد هذا الاقتحام المفاجئ وغير القانوني ثارت ثائرة الشعب الكوري الجنوبي وخرج للشوارع تضامنا مع ممثليه في مجلس الشعب، وتعبيرا عن كونه صاحب الأرض وصاحب الكلمة الفصل فيها وليس الرئيس هو المخول بذلك .
وقد تجمع آلاف المحتجين أمام البرلمان معبرين عن رفضهم لقرار الرئيس ولمؤازرة موظفي البرلمان، بعدما تمت المصادقة على قانون رفع الأحكام العرفية التي أبى رئيس الدولة إلا ان يزيد في تمديدها .
جدير بالذكر أن هؤلاء الجنود سببه الرئيسي إفشال التصويت حول رفع قانون الاحكام العرفية، حيث يتيح الدستور للبرلمان حق رفعه وما على رئيس البلاد إلا الإمتثال لقرار ممثلي الأمة وهذا ما أغاض الرئيس وحاول خرق الدستور .
ومع كل هذه الجلبة، لم يتم إطلاق رصاصة واحدة، وإمتثل الجنود للأمر وتراجعوا مباشرة بعدما علموا أنه تم التصويت على قرار رفع الأحكام العرفية وصار ساري المفعول وتم إعتماده رسميا كقرار جديد مفروض على كل من يعيش على أرض كوريا الجنوبية .
هذا درس بليغ يجب أن تستفيد منه الكثير من الدول ذات الأنظمة الديكتاتورية والحكم الوحيد الأوحد، والتي لا إعتبار فيها للشعب ولا قيمة له بل مجرد مواطنين من الدرجة العاشرة يجب حكمهم بالحديد والنار .